الشيخ محمد رشيد رضا
156
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مخالفا لما له اسمه منها هنا الا ما يتعلق بشأن الخلق عز وجل فهو الذي يجب أن يكون مشابها لشؤون المخلوقين بعضهم مع بعض ؟ أهذا هو المذهب الذي يدعي أصحابه اتباع المعقول ، ويسخرون من أهل السنة بزعمهم انهم جمدوا على بعض أحاديث الآحاد من المنقول ؟ وهم الدين قد جمدوا على ما دون ذلك من الالفاظ العربية التي استعملت في صفات الباري تعالى وشؤونه وأحبار عالم الغيب فتراهم يصرفونها عن معانيها ويعطلون مدلولاتها المقصودة لتوهمهم أنها لا تكون صحيحة الا إذا كانت مدلولاتها في عالم الغيب كمدلولاتها في هذا العالم من كل وجه . ثم تحكموا فأثبتوا بعض صفات الباريء تعالى بدون تأويل كالعلم والقدرة والإرادة ، وهذا عين التشبيه ، وأولوا أكثرها كالكلام والرحمة والمحبة والغضب والرضاء والعلو والوجه واليدين الخ وهذا عين التعطيل - وأهل السنة يثبتون له تعالى كل ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ( ص ) وينزهونه فيه كله عن مشابهة خلقه ولا يرون فرقا بين العلم والرحمة والكلام فكلها من صفات الكمال الثابتة له مع التنزيه - فعلمه ليس كعلم البشر منتزعا من صور المعلومات بالحس أو الفكر - وكلامه ليس كيفية عرضية يحصل بتموج الهواء بتأثير الصوت الذي يخرج من الفم - وكذلك سائر صفاته وشؤونه تعالى ، فتجليه لخواص خلقه في دار كرامته ليس كظهور بعضهم لبعض ، وما يحصل لهم من رؤيته ومعرفته وسماع كلامه لا يشابه ما يكون من بعضهم لبعض وإذا كنا قد عرفنا بالمشاهدة في عالم الحس أن إيقاد مصباح زيت الزيتون أو زيت البترول لا يشبه إيقاد مصباح الكهرباء بوجه من الوجوه ولا يشترط في الثاني ما يشترط في الأول - ونجزم بأن هذا الفرق لا يمكن أن يتصوره من لم يعرف الكهرباء البتة - فيجب علينا أن لا نستغرب ما هو أبعد من هذا الفرق بين عالم الغيب والشهادة في اختلاف الكيفية لحقيقة واحدة كالرؤية . ومن كان له حظ من معرفة اللّه تعالى في الدنيا لا يحتاج إلى الأمثال ، وحسب المحروم منها أن ينتفع بالأمثال ، ( وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) ( انتهت الفتوى )